ابن عربي

235

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

أقم عندي . قال : فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه ، فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة قلت له : يا فلان ، إن فلانا أوصاني إليك ، وأمرني باللحوق لك ، وقد حضرك من أمر اللّه ما ترى ، فإلى من توصيني ؟ قال : واللّه إني ما أعلم رجلا على ما كنت عليه إلا رجلا بنصيبين ، وهو فلان ، فالحق به . فلما مات وغيّب لحقت بصاحب نصيبين ، فجئته وأخبرته خبري وما أمرني به صاحبي ، فقال : أقم عندي ، فوجدته على أمر صاحبه ، فأقمت معه ، فكان خير رجل ، فو اللّه ما لبث أن نزل به الموت ، فلما حضرته الوفاة قال : قلت : يا فلان ، إن فلانا أوصاني إلى فلان ، وأوصاني فلان إليك ، فإلى من توصيني وما تأمرني ؟ قال : أي بني ، ما أجد أحدا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجل بعمورية من أرض الروم ، فإنه على مثل أمرنا ، فإن أحببت فائته . فلما مات وغيّب لحقت بصاحب عمورية ، وأخبرته خبري . فقال : أقم عندي ، فأقمت عنده فوجدته خير رجل على هدي أصحابه وأمرهم . قال : ثم اكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة . قال : ثم نزل به أمر اللّه ، فلما حضرته الوفاة قلت له : يا فلان ، إني كنت مع فلان فأوصاني إلى فلان ، ثم أوصاني فلان إلى فلان ، ثم أوصاني فلان إليك ، فإلى من توصيني وتأمرني ؟ فقال : أي بني ، واللّه ما أعلم أصبح على ما كنّا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه ، ولكن قد أظلك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم ، يخرج بأرض العرب ، مهاجرة إلى أرض بين الحرنين بها نخل به علامات لا تخفى ، يأكل الهدبة ولا يأكل الصدفة ، بين كتفيه خاتم النبوّة ، فإن استطعت أن تلحق به بتلك البلاد فافعل . قال : ثم مات وغيّب . ومكث بعمورية ما شاء اللّه أن أمكث . ثم مرّ بي نفر من كلب تجار ، فقلت : أتحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقري هذا وغنمي هذه ؟ فأعطيتهم إياهها ، وحملوني معهم حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني وباعوني من رجل يهودي ، فكنت عنده ، ورأيت النخل ، فرجوت أن يكون البلد الذي وصفه لي صاحبي ، فبينما أنا كذلك إذ قدم ابن عم له من المدينة من بني قريضة ، فابتاعني منه ، فحملني إلى المدينة ، فو اللّه ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي ، فأقمت بها ، وبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر ، على ما أنا عليه من شغل الرقّ ، ثم هاجر إلى المدينة ، فباللّه أني لفي رأس عذق لسيدي ، أعمل فيها بعض عمله ، وسيدي جالس تحتي ، إذ أقبل عم له ، فوقف عليه فقال : يا فلان ، قاتل اللّه بني قيلة ، واللّه إنهم الآن مجتمعون بقبا على رجل قدم عليهم من مكة اليوم ، يزعم أنه نبيّ ، قال : فلما سمعتها أخذتني العراء حتى ظننت أني ساقط على سيدي ، قال : فنزلت عن